سماح نضال الخُفَّاش.. حين يتحول الضوء إلى لغة وتصبح الأماكن ذاكرة لاتنسى
ثمة صور تلتقط المكان، وصور أخرى تتجاوز المكان لتلتقط إحساسنا به. وبين الاثنين مسافة لا تصنعها الكاميرا، وإنما تصنعها عين الفنان؛ تلك العين التي لا ترى الأشياء كما تبدو، بل كما يمكن أن تكون حين يمر عليها الضوء، وحين يتغير الطقس، وحين تتبدل علاقتها بالزمن.
في التجربة الفوتوغرافية للمصورة سماح نضال الخُفَّاش، تبدو الصورة أقرب إلى فعل تأمل طويل في المكان منها إلى مجرد تسجيل بصري له. فهي لا تتعامل مع الصحراء والمدن والمساجد والمباني التاريخية والأثرية باعتبارها موضوعات منفصلة، وإنما تراها فضاءات تحمل ذاكرة وهوية وتفاصيل تتكشف تدريجيًا لمن يمنحها الوقت الكافي للنظر.
أردنية وفلسطينية، وتحمل الإقامة الذهبية في دولة الإمارات العربية المتحدة، بدأت سماح رحلتها مع التصوير عام 2017، في تجربة سرعان ما تحولت من ممارسة بصرية إلى لغة شخصية، ومن محاولة لرؤية العالم إلى محاولة لفهمه.
كانت الإمارات مسرحًا لأول تجارب سماح مع الضوء، وهناك بدأت تتشكل إحدى أهم ركائز رؤيتها الفوتوغرافية: أن الجمال لا يبدأ بالضرورة من المكان، وإنما من الطريقة التي نراه بها. فالعدسة، في تصورها، ليست مجرد أداة بصرية تنقل الواقع إلى إطار، بل مرآة لروح المصور قبل أن تكون مرآة للمكان.
وهذه الفكرة تضع الفنان في قلب العملية الفوتوغرافية؛ فالمشهد الخارجي مهما بلغت جماليته لا ينتج بالضرورة صورة عظيمة. ما يصنع الفارق هو العين التي تختار، واللحظة التي تنتظر، والزاوية التي تقرر، والضوء الذي تعرف كيف تقرأ حضوره.
ومن هنا يمكن فهم اهتمام سماح بالصحراء والمدن والمساجد والمباني التاريخية والأثرية؛ فهي موضوعات تبدو للوهلة الأولى مختلفة، لكنها تلتقي في عنصر جوهري واحد: المكان بوصفه حاملًا للذاكرة. فالصحراء تحمل أثر الزمن، والمدينة تختزن حركة الإنسان، والمسجد يحمل حضورًا روحيًا وعمرانيًا، والمبنى التاريخي يحفظ في جدرانه شيئًا من الحكاية التي مرّت من هنا.
والمصور الذي يتعامل مع المكان بهذه الحساسية لا يكتفي بتصويره، بل يحاول الإصغاء إليه.
حين بدأت سماح رحلتها الفوتوغرافية عام 2017، لم تكن تبحث فقط عن هواية جديدة، بل كانت تفتح لنفسها بابًا لرؤية العالم بطريقة مختلفة. تصف تجربتها وكأنها كانت تنتظر تلك اللحظة التي تستطيع فيها أن ترى العالم بعين أخرى؛ عين لا تكتفي بالنظر، وإنما تتأمل وتصغي وتدوّن.
وهنا تكمن خصوصية التجربة الفوتوغرافية الحقيقية؛ فالكاميرا لا تمنح الفنان عينًا جديدة بقدر ما تدفعه إلى اكتشاف العين التي كانت موجودة داخله أصلًا. فالمصور، مع الوقت، يصبح أكثر حساسية للتفاصيل، ويبدأ بملاحظة ما كان يمر أمامه دون اهتمام، ويصبح الضوء حدثًا بحد ذاته، والظل عنصرًا في الحكاية، والتغيرات الجوية فرصة لإعادة اكتشاف المشهد ذاته.
وفي أعمال سماح، لا يبدو الضوء عنصرًا تقنيًا يمكن التحكم به فقط، بل شريكًا في صناعة الصورة. فتغير اتجاه الضوء وحركته، واختلاف الحالة الجوية، وتحول السماء من حالة إلى أخرى، كلها عناصر تمنح المكان شخصيات متعددة.
المبنى ذاته يمكن أن يبدو مختلفًا تمامًا عند الفجر عنه في منتصف النهار، والصحراء التي تبدو ساكنة تحت ضوء قاسٍ قد تتحول إلى فضاء شاعري حين تمتد الظلال فوق كثبانها، والمدينة التي تبدو مألوفة في ساعاتها العادية قد تكشف وجهًا آخر حين تتغير علاقتها بالسماء.
ولهذا فإن انتظار اللحظة في التصوير ليس انتظارًا سلبيًا، إنه جزء من صناعة الصورة. فالمصور لا ينتظر الضوء فحسب، بل ينتظر الحوار الذي سيحدث بين الضوء والمكان.
وتؤمن سماح بأن عالم الصورة هو العالم الذي وجدت فيه لغتها الخاصة؛ لغة لا تحتاج إلى ترجمة، لأن الصورة قادرة على أن تحكي حكايات لا تكتبها الكلمات. وهذه واحدة من الخصائص الأكثر قوة في الفوتوغرافيا؛ قدرتها على عبور الحدود دون أن تحتاج إلى قاموس.
قد لا يعرف المتلقي المكان الذي التُقطت فيه الصورة، ولا تاريخ المبنى، ولا تفاصيل الثقافة التي ينتمي إليها، لكنه يستطيع أن يشعر بالعزلة، والسكينة، والعظمة، والحنين، والدهشة. الصورة الناجحة لا تشرح الشعور بالضرورة؛ إنها تستحضره.
ولم يكن اهتمام سماح بالتصوير منفصلًا عن علاقتها بالحياة اليومية، بل جاء، كما تصفه، كردة فعل على صخبها. ففي عالم سريع الإيقاع، تتوالى فيه الأحداث والصور والمعلومات بصورة متواصلة، يصبح التوقف فعلًا نادرًا. والتصوير يمنح الفنان هذا التوقف؛ أن يقف أمام مشهد، وأن ينتظر، وأن يراقب تغير الضوء، وأن يمنح اللحظة وقتها.
ولهذا ترى سماح التصوير وسيلة لفهم الحياة من منظور آخر؛ زاوية تجعل العادي استثنائيًا، والعابر خالدًا. إنها لا تبحث فقط عن الأشياء التي تستحق التصوير، وإنما تحاول أن تجعلنا نعيد النظر في الأشياء التي اعتدنا رؤيتها حتى فقدنا قدرتنا على الدهشة تجاهها.
وخلال مسيرتها، شاركت سماح في العديد من المعارض المحلية والدولية، وحققت جوائز في مسابقات من بينها إكسبوجر، ومسابقة مدينة الفسيفساء، ومسابقة الشارقة للتراث، إلى جانب مشاركتها في تحكيم عدد من المسابقات الفوتوغرافية.
غير أن القيمة الأهم لهذه المحطات، في رؤيتها، لا تكمن في كونها أرقامًا أو ألقابًا تضاف إلى السيرة، وإنما في كونها تجارب متراكمة أسهمت في بناء معرفتها. فهي تنظر إلى كل خطوة باعتبارها تجربة، ثم تكتشف لاحقًا أنها كانت حجر أساس في بناء معرفتها بهذا الطريق.
وترى سماح أن أحد التحديات التي تواجه التصوير المعاصر يتمثل في تحوله أحيانًا إلى ساحة للاستهلاك البصري السريع، حيث تتنافس الصور على سرعة الالتقاط أكثر مما تتنافس على عمق المعنى. وفي زمن أصبحت فيه الصورة حاضرة في كل مكان، يصبح الابتكار الحقيقي أكثر صعوبة؛ لأن الصورة التي تريد أن تُفهم وتُحس تحتاج إلى متلقٍ مستعد للتوقف، بينما زمن السرعة لا يمنح الأشياء دائمًا هذا الترف.
لكن الفن، بطبيعته، لا يقاس دائمًا بسرعة الوصول. بعض الصور تحتاج إلى لحظة، وبعضها يحتاج إلى تأمل، وبعضها لا يكشف معناه إلا بعد أن يغادر المتلقي الصورة ثم يعود إليها من جديد.
وفي التصوير تجد سماح مساحة من الحرية لا توفرها كثير من أشكال التعبير الأخرى. فالعدسة تمنحها إمكانية أن تقول ما تريد دون أن تكون مقيدة باللغة أو القواعد التقليدية للسرد، وفي الوقت ذاته تجعلها شاهدة على لحظات لا تتكرر.
لحظة ضوء، حركة سحاب، انعكاس، مشهد إنساني، أو حالة جوية قد لا تعود بالشكل ذاته مرة أخرى. ولهذا تحمل عملية التصوير شيئًا من متعة الاكتشاف، وسعادة أسر اللحظة قبل أن تنقضي. الصورة هنا ليست امتلاكًا للحظة بقدر ما هي اعتراف بقيمتها.
وربما يكون أكثر ما يلفت في طموح سماح أن مشروعها المستقبلي لا يتوقف عند إنتاج صور جميلة أو تحقيق حضور شخصي، بل يتجه نحو صناعة مشروع بصري قادر على التعبير عن هوية وطن أو قضية إنسانية.
وهذا الطموح ينقل تجربتها من مستوى الصورة المفردة إلى مستوى المشروع؛ فالصورة الواحدة قد تثير سؤالًا، أما المشروع المتكامل فيستطيع أن يبني خطابًا. وقد يكون المشروع البصري وسيلة لتعريف الآخر بمكان لم يره، أو بثقافة لم يعرف تفاصيلها، أو بقضية لم يقترب منها، أو بإنسان لم يكن يعرف حكايته.
وفي النهاية، لا تختصر سماح طموحها في عدد المعارض أو الجوائز أو المشاركات، وإنما في رغبة أكثر عمقًا: أن تترك بصمة في ذاكرة كل من يرى صورها، وأن تشعر بأنها جزء من قصة أكبر، مع الحفاظ على وفائها لرؤيتها وشغفها.
وهذا ربما هو الاختبار الأصعب لأي فنان؛ أن ينجح في أن يكون حاضرًا دون أن يفقد صوته، وأن يتطور دون أن يتخلى عن جوهر رؤيته، وأن يستفيد من أدوات العصر دون أن يسمح لها بأن تحدد ما يريد قوله.
فالفن لا يحتاج فقط إلى عين ترى، بل إلى روح تعرف لماذا ترى.
وفي تجربة سماح نضال الخُفَّاش، تبدو الكاميرا وسيلة للإنصات بقدر ما هي وسيلة للرؤية؛ إنصات إلى المكان، وإلى الضوء، وإلى تغيرات السماء، وإلى اللحظة العابرة، وإلى تلك التفاصيل الصغيرة التي تمنح الحياة معناها حين نتوقف أمامها بما يكفي.
ومن هنا تتضح فلسفة رحلتها: أن الصورة ليست مشهدًا يُلتقط فقط، بل شعور يُترجم.
وربما كان أجمل ما يمكن أن تصل إليه الصورة أن تنجح في أن تجعل شخصًا، في مكان بعيد، يتوقف أمامها للحظة، وينظر إلى العالم بعين مختلفة؛ عين الفنان، وعين سماح.
المنشور الرئيسي
ياسين المرهون