صالح أحمد باحليس.. حين تمنح الطبيعة الفنان عينًا أخرى لرؤية العالم
في الفن الفوتوغرافي، لا تبدأ الحكاية دائمًا من الكاميرا. أحيانًا تبدأ من عينٍ صغيرة تتأمل مشهدًا عابرًا، ومن دهشةٍ مبكرة أمام جمال لا يعرف صاحبها كيف يصفه، لكنه يعرف أنه يستحق أن يُحفظ. وبين الدهشة الأولى والصورة الأولى، تتشكل علاقة طويلة بين الإنسان وما يراه، علاقة لا تُقاس بعدد الصور التي التُقطت، بل بمدى قدرة الفنان على أن يرى ما قد يمر أمام الآخرين دون أن يلتفتوا إليه.
ومن هذا الباب يمكن قراءة تجربة الفنان الفوتوغرافي صالح أحمد باحليس؛ فقصته مع الصورة لم تبدأ عندما حمل الهاتف أو امتلك أدوات التصوير، وإنما بدأت قبل ذلك بسنوات، حين كانت الطبيعة تشد انتباهه، وتستوقفه تفاصيل المشهد، وتدفعه إلى البحث عن صور المناظر الطبيعية ومشاهدتها طويلًا، دون أن يدرك أن هذا الفضول البصري المبكر سيصبح يومًا جزءًا أساسيًا من هويته الفنية.
البدايات.. قبل أن تصبح الصورة شغفًا
يعود اهتمام صالح بالطبيعة إلى مرحلة مبكرة جدًا من عمره. ففي حدود العاشرة من عمره أو قبلها، كان يلجأ إلى الإنترنت بحثًا عن صور المناظر الطبيعية، ويقضي وقتًا طويلًا في تأملها، وخصوصًا المشاهد الخلابة للمدرجات الزراعية في شرق آسيا.
قد يبدو هذا السلوك، للوهلة الأولى، مجرد فضول طفولي تجاه الصور الجميلة، إلا أن التأمل المتكرر في المشهد هو أحد المداخل الأساسية لتكوين الحس البصري لدى الفنان. فالطفل الذي يتوقف أمام تفاصيل الضوء، وانحناءات الأرض، وتدرجات اللون، واتساع المشهد، يتعلم بطريقة غير مباشرة أن للجمال لغة خاصة، وأن بعض اللحظات لا تُفهم بالكلمات بقدر ما تُدرك بالنظر.
وهنا تكمن أهمية البدايات في تجربة صالح؛ فقد كانت عينه تسبق الكاميرا.
وبعد نحو عقد من الزمن، جاءت الخطوة العملية الأولى، حين امتلك هاتفًا وبدأ يلتقط صورًا لما يحيط به؛ البحر، والأشجار، والأصدقاء، وكل ما كان يراه جميلًا أو جديرًا بأن يُحفظ داخل إطار. لم تكن المسألة في بدايتها مشروعًا فنيًا مكتمل الملامح، لكنها كانت امتدادًا طبيعيًا لذلك الفضول القديم؛ فضول الإنسان الذي يريد أن يحتفظ بما رأته عيناه.
من الصورة إلى صناعة الصورة
قبل أن يتبلور اهتمام صالح بالتصوير بوصفه ممارسة فنية، كان هناك شغف آخر يقوده: الفوتوشوب.
كان تعديل الصور بالنسبة إليه عالمًا قائمًا بذاته، ومساحة لاختبار الإمكانات البصرية وإعادة تشكيل الصورة. وفي تلك المرحلة، كان يتعلم بجهده الشخصي، في وقت لم تكن فيه المصادر التعليمية العملية والمتخصصة متاحة بالوفرة التي نراها اليوم.
لكن خلف هذا الشغف التقني كانت هناك رغبة إنسانية بسيطة، وربما طريفة، في الوصول إلى صورة يرى أنها أجمل وأكثر ملاءمة لما يتخيله.
ومن خلال هذه المرحلة، بدأ صالح يكتشف أن الصورة لا تنتهي لحظة الضغط على زر الالتقاط؛ فهناك ما يحدث قبل التصوير، وما يحدث بعده، وهناك عين تختار، وعقل يقرر، وذائقة تتشكل، وأداة يمكنها أن تمنح الفكرة شكلها النهائي.
وهذه النقلة مهمة في تكوين أي تجربة فوتوغرافية؛ لأن المصور في بدايته قد يكتفي بتسجيل ما يراه، ثم يبدأ تدريجيًا في التساؤل: لماذا التقطت هذه الصورة؟ لماذا اخترت هذا المكان؟ لماذا هذا الضوء؟ وما الذي أريد أن يشعر به الآخر عندما يرى ما رأيته؟
عند هذه النقطة تحديدًا، تبدأ الصورة بالانتقال من كونها تسجيلًا بصريًا إلى كونها خطابًا فنيًا.
اللحظة التي غيّرت معنى الصورة
في مسيرة صالح، جاءت لحظة كان لها أثر واضح في إعادة تعريف علاقته بالتصوير؛ إحدى الصور التي التقطها حصدت إعجاب الملايين، وانتشرت عبر قنوات وصحف إخبارية.
لم تعد الصورة حينها مجرد ملف محفوظ في هاتف أو حاسوب، ولم تعد تجربة شخصية بين المصور ومشهد اختاره. فجأة أصبحت الصورة قادرة على السفر وحدها، والوصول إلى جمهور واسع، وخلق تفاعل يتجاوز حدود المكان الذي ولدت فيه.
وهنا أدرك صالح أن التصوير يمكن أن يكون أكثر من ممارسة شخصية؛ يمكن للصورة أن تصل إلى الإنسان، أن تستوقفه، أن تحرك فيه إحساسًا، وأن تترك أثرًا لا يتناسب بالضرورة مع حجم المكان الذي التُقطت فيه.
وهذه إحدى الخصائص الجوهرية للفوتوغرافيا؛ قدرتها على اختصار المسافة بين التجربة والمتلقي. فالمصور قد يقف وحيدًا أمام مشهد في لحظة محددة، لكن الصورة تمنح ذلك المشهد حياة ثانية، وتسمح له بأن يعيش في أماكن وأزمنة أخرى، وأن يصل إلى أشخاص لم يكونوا حاضرين عند لحظة الالتقاط.
ومن هنا بدأت رحلة صالح تأخذ شكلًا أكثر جدية.
الطبيعة.. المصدر الأول للدهشة
حين يُسأل صالح عن مصدر إلهامه، تأتي الإجابة من المكان الذي بدأت منه الحكاية أصلًا: الطبيعة التي أبدعها الله.
هذه الإجابة ليست مجرد وصف لموضوع تصويري مفضل، بل يمكن قراءتها باعتبارها موقفًا جماليًا من العالم. فالمصور الذي ينظر إلى الطبيعة بوصفها مصدرًا للإلهام لا يبحث فقط عن منظر جميل، وإنما يبحث عن اللحظة التي يصبح فيها المشهد قادرًا على إثارة الدهشة.
الغروب، ألوان السماء، تفاصيل الأشجار، امتداد البحر، اختلاف الضوء، وتكوينات الأرض؛ كلها بالنسبة للمصور ليست خلفيات صامتة، بل عناصر تتغير باستمرار، وتمنح العين في كل مرة احتمالًا جديدًا للرؤية.
ولهذا قد يتوقف المصور أمام مشهد يمر عليه الآخرون دون انتباه.
إنها تلك العين التي تتدرب على رؤية ما وراء الاعتياد.
فالمشهد نفسه قد يكون عاديًا في عين، واستثنائيًا في عين أخرى. والفرق لا يكون دائمًا في المكان، بل في القدرة على ملاحظة العلاقات بين الضوء والظل، واللون والشكل، والمساحة والفراغ، واللحظة والزمن.
ومن هنا تأتي إحدى أجمل الهبات التي يمنحها التصوير للفنان: أن يعيد تعريف الأشياء اليومية من حوله.
بين المنظر والإنسان والمدينة
رغم ارتباط تجربة صالح المبكر بالطبيعة، فإن اهتمامه الفوتوغرافي لم يتوقف عند المناظر الطبيعية. فقد امتدت تجربته إلى البورتريه والهندسة المعمارية، وهي مجالات تكشف عن اتساع اهتمامه باللغة البصرية.
في تصوير الطبيعة، يتعامل الفنان مع فضاء واسع غالبًا ما تكون عناصره خارج سيطرته الكاملة؛ الضوء يتغير، والغيوم تتحرك، والطقس يفرض حضوره، والمشهد نفسه يتبدل مع مرور الوقت.
أما البورتريه، فيضع المصور أمام عالم مختلف تمامًا: الإنسان.
وهنا تصبح الصورة أكثر ارتباطًا بالتعبير والحضور والانفعال. فالبورتريه الجيد لا يتوقف عند ملامح الوجه، بل يحاول الوصول إلى شيء أعمق؛ إلى الحالة، والحضور، والشخصية، واللحظة التي تجعل الإنسان أمام العدسة أكثر من مجرد موضوع داخل إطار.
وفي تصوير العمارة، ينتقل الفنان إلى لغة أخرى تقوم على الخطوط والأشكال والنسب والكتل والفراغات. المبنى يصبح تكوينًا بصريًا، والمدينة تتحول إلى شبكة من العلاقات الهندسية والضوئية.
هذا التنوع في المجالات يمنح تجربة صالح مساحة أوسع للتجريب، ويجعل التصوير بالنسبة إليه ليس موضوعًا واحدًا، بل لغة يمكن أن تتغير مفرداتها بحسب الموضوع.
الصورة بين الحقيقة والذكاء الاصطناعي
في زمن أصبحت فيه الصورة الرقمية قابلة للتوليد والتعديل وإعادة البناء بدرجات غير مسبوقة، يجد المصور المعاصر نفسه أمام سؤال جديد: ما قيمة الصورة الفوتوغرافية عندما يصبح بالإمكان إنتاج مشهد كامل دون أن يكون قد حدث أصلًا؟
يرى صالح أن أدوات الذكاء الاصطناعي أصبحت من أبرز التحديات التي تواجه الفنان الفوتوغرافي اليوم، خصوصًا مع قدرتها المتزايدة على إنتاج مشاهد شديدة الإقناع، الأمر الذي جعل المتلقي أكثر حذرًا تجاه ما يراه، وأكثر تساؤلًا حول حقيقة الصورة ومصدرها.
وهذا التحول لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل يمس جوهر العلاقة بين الصورة والمتلقي.
فالفوتوغرافيا، في أحد أبعادها، تقوم على الثقة؛ ثقة المشاهد بأن ما يراه كان موجودًا في لحظة ما أمام عدسة ما. ومع اتساع مساحة الصور الاصطناعية، أصبحت هذه الثقة أكثر تعقيدًا.
لكن صالح لا ينظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه نهاية للفن الفوتوغرافي، وإنما يضع المسألة في إطار أوسع: المشكلة ليست في وجود الأداة، بل في كيفية استخدامها.
وهنا يعود الفنان إلى مركز العملية الإبداعية.
فالأداة تستطيع أن تساعد، وأن تختصر، وأن توسع الاحتمالات، لكنها لا تملك التجربة الإنسانية التي يعيشها المصور، ولا الذكريات التي يحملها، ولا المشاعر التي تدفعه إلى الوقوف في مكان معين وانتظار لحظة معينة، ولا ذلك الإحساس الغامض الذي يجعله يضغط زر الالتقاط في جزء من الثانية.
الصورة التي تصنعها العين والتجربة ليست مجرد مجموعة من البكسلات.
إنها أثر إنساني.
الركود الفني.. الوجه الآخر للإبداع
كل تجربة فنية حقيقية تمر بمراحل من الصعود والهبوط، ومن الاكتشاف والتكرار، ومن الحماس والفتور. ويرى صالح أن الركود الفني واحد من أبرز التحديات التي يمكن أن يواجهها الفنان.
فالاستمرار في إنتاج الأعمال قد يقود الفنان أحيانًا إلى الشعور بأنه يكرر نفسه، وأن الصور الجديدة لا تحمل الدهشة ذاتها التي كانت تحملها أعماله السابقة.
وقد يصبح الخوف من الملل سببًا للتوقف عن ممارسة الفن نفسه.
لكن في هذه النقطة تحديدًا تظهر أهمية الاستمرارية.
فالركود ليس بالضرورة إعلانًا عن نهاية الإبداع، بل قد يكون مرحلة يحتاج فيها الفنان إلى إعادة النظر في علاقته بأدواته وموضوعاته ونظرته إلى العالم.
الفن لا يتحرك دائمًا في خط مستقيم.
هناك فترات يكثر فيها الإنتاج، وأخرى يقل فيها، وهناك لحظات تبدو فيها الأفكار واضحة، وأخرى يشعر فيها الفنان أنه يبحث عن نفسه من جديد.
والتحدي الحقيقي ربما لا يكمن في تجنب هذه المراحل، وإنما في القدرة على عبورها دون التخلي عن الطريق.
الإنجاز حين يتحول إلى مسؤولية
شهدت مسيرة صالح عددًا من المحطات التي أسهمت في تعزيز حضوره الفوتوغرافي، من بينها حصوله على المركز الأول لأفضل صورة إنسانية عام 2015 في مسابقة اللجنة الدولية للصليب الأحمر، وهو إنجاز يرتبط بمجال يضع الإنسان وتجربته في مركز الصورة.
كما حصل على المركز الأول في مسابقة الفجيرة للتصوير الضوئي، الدورة السادسة، ضمن محور التراث الحضاري.
ولم تتوقف مشاركاته عند نطاق جغرافي محدد، فقد حضر بأعماله في معارض محلية ودولية متنوعة في اليمن والإمارات والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا والأردن، في امتداد يعكس حضور الصورة كوسيلة للتواصل بين الثقافات والمساحات المختلفة.
كما حصل على الإقامة الذهبية في دولة الإمارات العربية المتحدة ضمن فئة المبدعين، ويشغل كذلك دور المتحدث الرسمي لشركة سوني.
لكن القيمة الحقيقية لأي إنجاز فني لا تكمن فقط في إضافته إلى السيرة الذاتية، وإنما في قدرته على دفع الفنان إلى مرحلة جديدة من المسؤولية تجاه تجربته.
كل إنجاز يرفع سقف التوقعات، وكل حضور يفتح بابًا لحضور آخر، وكل صورة ناجحة تجعل السؤال التالي أكثر صعوبة.
من يرى العالم بعين المصور
ربما تكون إحدى أكثر العبارات تعبيرًا عن فلسفة صالح في التصوير هي اعتقاده بأن ممارسة هذا الفن تمنح الإنسان عينًا جديدة يرى بها العالم.
وهذه الفكرة تختصر جانبًا مهمًا من التجربة الفوتوغرافية.
فالمصور لا يكتفي بالنظر؛ إنه يتعلم أن ينتبه.
والانتباه في حد ذاته فعل إبداعي.
أن تلاحظ لونًا لم يكن يلفت انتباهك سابقًا، أن ترى انعكاس الضوء على سطح، أن تلتفت إلى تكوين عابر، أن تنتظر لحظة معينة من الغروب، أو أن ترى في شارع مألوف مشهدًا جديدًا؛ كل ذلك يعني أن التصوير بدأ يتجاوز حدود الكاميرا ليصبح طريقة في إدراك الحياة.
ولهذا فإن الفوتوغرافيا لا تمنح المصور صورًا فقط، بل تمنحه علاقة مختلفة مع الزمن.
الصورة تقول: لقد كانت هناك لحظة، وقد رأيتها.
الطموح.. أن يصبح الفنان جزءًا من حكاية من بعده
في النهاية، لا يبدو أن الطموح الأكبر لصالح أحمد باحليس يتمثل في إضافة إنجاز جديد إلى قائمة إنجازاته، بقدر ما يتمثل في أن يترك أثرًا فيمن سيأتي بعده.
لقد كان في رحلته أشخاص ألهموه، وأسهموا في دفعه إلى الاستمرار رغم صعوبة الطريق، ولذلك يتمنى أن يؤدي يومًا الدور ذاته مع جيل آخر.
وهنا تتحول التجربة الفردية إلى معنى أوسع.
فالفنان الذي يكتفي بإنتاج أعماله يترك صورًا، أما الفنان الذي يلهم الآخرين فيترك امتدادًا.
ومن أجمل ما يمكن أن يصل إليه الفنان أن تتحول تجربته من رحلة شخصية إلى طريق يستفيد منه آخرون؛ أن يرى مصورًا شابًا صورةً أو فكرةً أو موقفًا في تجربته، فيقرر أن يستمر، أو يتعلم، أو يجرب، أو ينظر إلى العالم بطريقة مختلفة.
وربما لهذا السبب يبدو الطموح الأخير في تجربة صالح أكثر إنسانية من كونه فنيًا بحتًا.
إنه لا يريد فقط أن يلتقط صورًا جميلة.
يريد أن يترك عينًا أخرى بعده.
عينًا تنظر إلى الطبيعة بدهشة، وإلى الإنسان بصدق، وإلى الصورة باعتبارها ذاكرة وشعورًا وتجربة.
وهكذا تستمر الحكاية؛ من طفل كان يبحث عن المناظر الطبيعية على شاشة صغيرة، إلى فنان يحمل الكاميرا ويبحث عن لحظة تستحق أن تُرى، ثم إلى مصور يتطلع لأن يمنح من يأتي بعده شيئًا من ذلك الشغف الذي بدأ معه قبل أن يعرف حتى أن اسمه سيكون يومًا مرتبطا بالتصوير الفوتوغرافي.
المنشور الرئيسي
ياسين المرهون