محمد صالح آل شبيب
أربعة عقود من البحث عن الصورة بين التوثيق والجمال وصناعة الذاكرة البصرية
في تاريخ التصوير الفوتوغرافي، لا تُقاس التجربة الحقيقية للمصور بعدد الصور التي التقطها، ولا بعدد الكاميرات التي امتلكها، ولا حتى بعدد الجوائز التي حصل عليها. فهناك فارق جوهري بين من يمارس التصوير بوصفه مهارة تقنية، ومن يتحول التصوير لديه إلى طريقة في النظر، وأسلوب في قراءة العالم، ووسيلة لصناعة الذاكرة.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة تجربة المصور السعودي محمد صالح آل شبيب، القادم من أم الحمام بمحافظة القطيف، بوصفها تجربة امتدت عبر زمن طويل من التحولات التقنية والفنية والثقافية التي مر بها التصوير الفوتوغرافي. فمنذ عام 1390هـ، حين حمل الكاميرا للمرة الأولى، لم تبدأ بالنسبة إليه مجرد هواية جديدة، بل بدأت رحلة طويلة أصبحت فيها الصورة جزءًا من حياته وممارسته اليومية ووسيلته في التعبير والتوثيق واكتشاف الجمال.
الصورة بوصفها رحلة لا تنتهي
تبدو عبارة «رحلة طويلة مع الصورة» أكثر من مجرد توصيف زمني لمسيرة بدأت منذ عقود؛ فهي تكشف عن طبيعة العلاقة التي تشكلت بين المصور والكاميرا. فالتصوير، في هذه التجربة، لم يكن ممارسة منفصلة عن الحياة، وإنما أصبح جزءًا منها.
وهنا تظهر إحدى أهم السمات التي يمكن قراءتها في تجربة آل شبيب: الاستمرارية.
فالاستمرارية في الفن لا تعني فقط البقاء في المجال لفترة طويلة، وإنما تعني القدرة على إعادة اكتشاف المجال نفسه في كل مرحلة زمنية. المصور الذي يستمر لعقود يواجه تغيرات في المعدات، والوسائط، والذائقة، وأساليب العرض، ومفاهيم الصورة، لكنه يظل مطالبًا بأن يحافظ على جوهر علاقته بالصورة.
ولهذا فإن المسافة الزمنية الممتدة منذ عام 1390هـ تمنح تجربة آل شبيب قيمة تتجاوز الجانب الشخصي؛ لأنها تضعها ضمن سياق تاريخي طويل للتصوير الفوتوغرافي في المملكة، وتكشف عن مسار انتقل فيه المصور من مرحلة كانت فيها المعرفة الفوتوغرافية المتخصصة محدودة نسبيًا إلى مرحلة أصبحت فيها الصورة مجالًا واسعًا للتعليم والمنافسة الدولية والتقنيات المتقدمة.
حين يصبح الشغف منهجًا للتعلم
من المثير في تجربة محمد آل شبيب أنه لا يقدم في بداياته شخصية فوتوغرافية محددة بوصفها مصدر إلهام مباشر. وفي ذلك دلالة فنية مهمة.
ففي الوقت الذي يعتمد فيه كثير من الممارسين على مدرسة أو فنان أو مصور سابق لتشكيل رؤيتهم، كانت تجربة آل شبيب أكثر ارتباطًا بالتعلم الذاتي؛ بالبحث، والتجربة، والخطأ، والملاحظة، والاستمرار في اكتساب المعرفة.
لقد بدأت التجربة في زمن لم يكن فيه عدد المصورين المحترفين أو مصادر المعرفة المتاحة كما هو الحال اليوم، ولذلك كان على المصور أن يبحث عن طريقه بنفسه. ومن هنا تحولت عملية التعلم إلى ممارسة مستمرة، لا إلى مرحلة مؤقتة تنتهي بمجرد إتقان أساسيات الكاميرا.
وهذه النقطة تحديدًا تستحق التوقف عندها من منظور أكاديمي؛ لأن التجربة الذاتية في الفن كثيرًا ما تكون البيئة التي يتشكل فيها الأسلوب الشخصي. فعندما لا يجد الفنان نموذجًا جاهزًا يقلده، يصبح مضطرًا إلى بناء قاموسه البصري بنفسه.
وقد يكون هذا أحد المفاتيح لفهم اتساع تجربة آل شبيب لاحقًا، وانتقاله بين مجالات مختلفة من التصوير دون أن يحصر نفسه في نوع واحد من الصورة.
تعدد التخصصات بوصفه اتساعًا في الرؤية
تشمل تجربة آل شبيب البورتريه، والطبيعة، والتصوير المعماري، والصناعي، والجوي، وتصوير المنتجات بمختلف أنواعها، بما في ذلك المجوهرات والساعات والعطور والأطعمة.
وهذا التنوع ليس مجرد قائمة من التخصصات؛ إذ إن كل مجال من هذه المجالات يفرض على المصور طريقة مختلفة في التفكير.
في البورتريه، تصبح الشخصية والملامح والإضاءة والعلاقة النفسية بين المصور والموضوع عناصر مركزية.
وفي الطبيعة، يتغير مفهوم الزمن؛ إذ تصبح الإضاءة والطقس والمشهد والعناصر الطبيعية شركاء في بناء الصورة.
أما العمارة فتفرض على المصور التعامل مع الخطوط والهندسة والمنظور والنسب والفراغ.
وفي التصوير الصناعي، يتحول الموضوع إلى منظومة من التفاصيل والآلات والهياكل والعمليات التي تحتاج إلى قراءة بصرية دقيقة.
بينما يمنح التصوير الجوي المصور موقعًا مختلفًا تمامًا للنظر؛ فالمشهد الذي يبدو مألوفًا من مستوى العين يمكن أن يتحول من الأعلى إلى تكوين بصري جديد.
أما تصوير المنتجات، وخصوصًا المجوهرات والساعات والعطور والأطعمة، فهو من أكثر المجالات التي تكشف عن أهمية السيطرة التقنية؛ لأن المصور هنا لا يكتفي بتسجيل الشيء، وإنما يعمل على تقديمه بصريًا من خلال الضوء والانعكاس والملمس والتفاصيل والتكوين.
وبذلك يمكن النظر إلى هذا التنوع باعتباره نوعًا من التدريب المستمر على الرؤية؛ فكل تخصص يضيف إلى المصور أداة جديدة لفهم الضوء والموضوع والفراغ والزمن.
من التقاط الصورة إلى صناعة المعنى
يصف آل شبيب علاقته بالتصوير بعبارة تحمل بعدًا وجدانيًا واضحًا؛ فقد أحب التصوير إلى درجة العشق، وأصبحت الصورة بالنسبة إليه وسيلة للتعبير والتوثيق واكتشاف الجمال من حوله.
وهنا تنتقل الصورة من كونها منتجًا بصريًا إلى كونها لغة.
فالإنسان لا يصور لأنه يرى شيئًا جميلًا فقط؛ بل يصور لأنه يريد أن يقول شيئًا عن ذلك الشيء.
وهذه الفكرة تضع التصوير في منطقة مشتركة بين الفن والتوثيق والذاكرة. فالصورة تستطيع أن تحفظ لحظة، لكنها في الوقت نفسه تستطيع أن تمنح تلك اللحظة معنى جديدًا.
وفي التجربة السعودية تحديدًا، يصبح هذا الجانب أكثر أهمية؛ لأن المجتمع والمكان شهدا تحولات واسعة خلال العقود الماضية، والصورة قادرة على تسجيل ما قد لا تستطيع الذاكرة الفردية الاحتفاظ به.
من هنا يمكن قراءة اهتمام آل شبيب بالتوثيق على أنه امتداد طبيعي لفهمه للصورة بوصفها وسيلة لحفظ المكان والزمن.
المصور بوصفه شاهدًا على المكان
من أبرز محطات مسيرة محمد آل شبيب عمله في التغطيات الفوتوغرافية لمجلة قافلة الزيت وWorld Aramco Magazine، إلى جانب أعمال مرتبطة بمعارض «المملكة بين الأمس واليوم». كما شارك في معارض فوتوغرافية عالمية وحقق جوائز محلية ودولية.
هذه التجربة المهنية تضيف بعدًا آخر إلى مسيرته؛ فالمصور هنا لا يعمل فقط على إنتاج صور فنية مستقلة، وإنما يدخل في علاقة مباشرة مع المؤسسات والمجتمع والمكان.
والتصوير المهني في هذه الحالة يتطلب أكثر من المعرفة التقنية؛ يحتاج إلى قدرة على فهم الموضوع، واختيار اللحظة، وإدارة الضوء، وتحويل المعلومات والمشهد إلى لغة بصرية قادرة على الوصول إلى المتلقي.
ومن هذه الزاوية تصبح الصورة وثيقة بصرية، خصوصًا عندما ترتبط بمراحل زمنية وأماكن ومظاهر اجتماعية وثقافية.
الذاكرة الفوتوغرافية كجزء من المشروع الفني
تظهر أهمية التوثيق بصورة أوضح في الكتب التي شارك آل شبيب في إعدادها لتوثيق المنطقة الشرقية، ومن بينها Eastern Province – Saudi Arabia: A Photo Memory 1935–1995، إلى جانب كتابين من جزأين بعنوان SAUDI ARABIA – Kingdom of Beauty، وكتاب جزيرة تاروت – الأرض والإنسان.
وهنا تتجاوز الصورة حدود الإطار الفوتوغرافي المنفرد لتدخل في مشروع أكبر: صناعة الذاكرة البصرية.
فالكتاب الفوتوغرافي ليس مجرد مجموعة صور موضوعة بجانب بعضها، وإنما هو بناء سردي يمكن من خلاله قراءة المكان عبر مجموعة من التفاصيل والوجوه والعمارة والمناظر والملامح.
والتوثيق بهذا المعنى لا يعني تجميد الماضي فقط؛ بل يعني منحه فرصة لأن يبقى حاضرًا في وعي الأجيال اللاحقة.
وفي كتاب مثل «جزيرة تاروت – الأرض والإنسان»، يصبح العنوان نفسه كاشفًا عن العلاقة بين المكان والإنسان؛ فالمكان لا يُفهم بمعزل عن سكانه، كما أن الإنسان يترك أثره في المكان ويعيد تشكيله.
ومن هنا يمكن النظر إلى الصورة التوثيقية باعتبارها عملية حوار بين الإنسان وبيئته.
بين الجمال والتوثيق
من الصعب فصل الجانب الجمالي في تجربة آل شبيب عن الجانب التوثيقي.
فالصورة التي توثق المكان يمكن أن تكون جميلة، والصورة الجميلة يمكن أن تصبح وثيقة، ولا يوجد بالضرورة تعارض بين الوظيفة الفنية والوظيفة التوثيقية.
بل إن القيمة الحقيقية تظهر عندما ينجح المصور في الجمع بين الاثنين.
الصورة التوثيقية التي تفتقر إلى الحس الجمالي قد تصبح مجرد تسجيل مباشر، بينما الصورة الجمالية التي تفتقر إلى السياق قد تفقد جزءًا من قدرتها على التعبير عن المكان والزمان.
أما حين يجتمع الاثنان، تتحول الصورة إلى عمل قادر على مخاطبة العين والذاكرة في الوقت نفسه.
وهذا الجانب يبدو متصلًا بصورة مباشرة مع طموح آل شبيب في تمثيل المملكة بصريًا في المحافل المحلية والدولية، وتقديم جمالها وتاريخها وثقافتها وإنسانها بصورة تليق بها.
التحكيم: الانتقال من صناعة الصورة إلى تقييمها
لم تتوقف تجربة آل شبيب عند إنتاج الصور؛ فقد شارك في تحكيم مسابقات فوتوغرافية محلية وعربية ودولية، وشارك في مؤتمرات للاتحاد الدولي لفن التصوير FIAP، كما افتتح معارض فوتوغرافية داخل المملكة وبعض دول الخليج.
والتحكيم يمثل مرحلة مختلفة في علاقة الفنان بالصورة.
فالمصور عندما ينتج عمله ينطلق من رؤيته الخاصة، بينما المحكّم مطالب بالنظر إلى أعمال متعددة من زوايا مختلفة، ومقارنة مستويات متفاوتة من المعالجة والتكوين والفكرة والتنفيذ.
وبذلك تصبح خبرة التحكيم امتدادًا طبيعيًا للتجربة الطويلة؛ لأنها تفرض على المصور أن يوسع نظرته من «الصورة التي أحبها» إلى «الصورة التي تمتلك مقومات فنية قادرة على الوقوف أمام معايير نقدية».
وهذا التحول مهم في بناء الوعي الفوتوغرافي، لأنه ينقل الخبرة من مستوى الممارسة الفردية إلى مستوى المشاركة في تشكيل الذائقة الفنية.
التعليم كمرحلة ثالثة من التجربة
منذ أكثر من أربعين عامًا، بدأ آل شبيب ممارسة التدريب في مجال التصوير الفوتوغرافي، واستمر هذا الجانب من مسيرته حتى اليوم. ويشغل حاليًا منصب رئيس المصورين المحترفين بكلية كنغستون البريطانية ومدرب معتمد، إضافة إلى رئاسته قسم التدريب في معهد تقني للتدريب داخل المملكة العربية السعودية.
وهنا تكتمل ثلاثة أدوار رئيسية في مسيرته:
المصور، والممارس، والمعلم.
المصور ينتج الصورة.
الممارس يختبر أدواتها وتقنياتها في ظروف مختلفة.
والمعلم ينقل خلاصة التجربة إلى الآخرين.
وهذا الانتقال من التعلم إلى الممارسة ثم إلى التعليم يمثل إحدى أكثر المراحل أهمية في حياة الفنان؛ لأن المعرفة التي تبقى محصورة في صاحبها تنتهي معه، بينما المعرفة التي تنتقل إلى الأجيال الجديدة يمكن أن تتحول إلى أثر مستمر.
الصورة السعودية من المحلية إلى العالمية
يبدو البعد الوطني حاضرًا بوضوح في الرؤية التي يقدمها آل شبيب حول مستقبل التصوير؛ إذ يتمثل أحد أبرز طموحاته في رؤية جيل راقٍ من المصورين قادر على تمثيل جمال المملكة في المحافل المحلية والدولية، وحمل الصورة السعودية إلى العالم بما يليق بتاريخ المملكة وثقافتها وجمالها وإنسانها.
وهذه الرؤية تضع المصور أمام مسؤولية تتجاوز إنتاج العمل الشخصي.
فالمصور الذي يعمل على تقديم بلده للعالم لا يلتقط المكان فقط، بل يختار كيف يُرى هذا المكان.
اختيار الزاوية يصبح اختيارًا ثقافيًا.
اختيار الضوء يصبح اختيارًا جماليًا.
اختيار الموضوع يصبح موقفًا من الذاكرة.
واختيار اللحظة يصبح جزءًا من الطريقة التي سيقرأ بها الآخرون المكان.
ولهذا فإن بناء صورة بصرية للمملكة لا يعتمد فقط على تصوير المعالم المعروفة، بل يتطلب القدرة على اكتشاف التفاصيل التي تصنع هوية المكان: الإنسان، الأسواق، العمارة، البيئة، الحرف، الحياة اليومية، والتحولات الاجتماعية.
المصور والبيئة البصرية
من أكثر الأفكار دلالة في رؤية آل شبيب أنه لا يتعامل مع المجال الفوتوغرافي من زاوية «السلبيات» بقدر ما يبحث دائمًا عن الجوانب التي يمكن أن تضيف إلى المصور وتطور تجربته. كما يصف التصوير بأنه «الحياة والروح والعطاء المتجدد»، ويرى أن كل صورة يمكن أن تكون بداية لفكرة جديدة، وأن كل تجربة تضيف شيئًا إلى رحلة المصور.
هذه الرؤية تعكس مفهومًا ناضجًا للممارسة الفنية.
فالفنان الذي يرى المجال بوصفه مساحة قابلة للنمو لا يتوقف عند الإنجاز السابق، بل ينظر إلى كل تجربة باعتبارها مادة للتجربة التالية.
وهنا تصبح الصورة ليست نهاية العملية، وإنما بداية لأسئلة جديدة:
كيف يمكن تصوير الموضوع بطريقة مختلفة؟
كيف يمكن للضوء أن يغير المعنى؟
كيف يمكن للزاوية أن تعيد تعريف المكان؟
كيف يمكن للصورة أن تنتقل من التسجيل إلى التعبير؟
وكيف يمكن للمصور أن يحافظ على فضوله بعد سنوات طويلة من العمل؟
التحدي الحقيقي: صقل الموهبة
يرى آل شبيب أن أحد أكبر التحديات التي واجهته كان كيفية صقل موهبته ووضعها أمام محبي التصوير، وفي الوقت نفسه تمثيل المملكة بالصورة التي تليق بها.
وهذا التحدي يجمع بين مستويين مختلفين:
الأول شخصي، يتعلق بتطوير الفنان لنفسه.
والثاني ثقافي، يتعلق بالدور الذي يمكن أن تؤديه الصورة في تمثيل المجتمع والمكان.
فالموهبة وحدها لا تكفي في التصوير؛ إذ تحتاج إلى معرفة وتجربة وممارسة ونقد واحتكاك وتراكم.
والتراكم هو أحد أهم عناصر التجربة الطويلة؛ لأن كل صورة ناجحة أو فاشلة تصبح جزءًا من ذاكرة المصور التقنية والفنية.
ومع مرور الزمن، لا يعود المصور يتعلم فقط من الكتب أو الدورات، بل يبدأ في التعلم من أرشيفه الشخصي.
كل صورة قديمة تصبح درسًا.
كل خطأ تقني يصبح معرفة.
كل تجربة ناجحة تصبح مرجعًا.
وكل مرحلة زمنية تضيف طبقة جديدة إلى الهوية البصرية.
من الكاميرا إلى الأرشيف
يمكن النظر إلى مشروع آل شبيب في توثيق المنطقة الشرقية والمملكة بوصفه انتقالًا من مفهوم «الصورة الفردية» إلى مفهوم «الأرشيف».
والأرشيف البصري له قيمة خاصة؛ لأنه لا يحفظ الأحداث الكبرى فقط، وإنما يحفظ التفاصيل التي قد تبدو عادية في لحظتها، ثم تتحول مع مرور الزمن إلى أدلة على شكل الحياة في مرحلة تاريخية معينة.
الشارع.
المبنى.
الإنسان.
الملابس.
المكان.
التفاصيل المعمارية.
المشهد الطبيعي.
كلها عناصر يمكن للصورة أن تحفظها بطريقة لا تستطيع الكلمات وحدها أن تقوم بها.
ومن هنا يصبح المصور شريكًا في كتابة التاريخ البصري، حتى وإن لم يكن مؤرخًا بالمعنى التقليدي.
تجربة تتجاوز حدود التخصص
قد يبدو تنوع تجربة محمد آل شبيب بين البورتريه والطبيعة والعمارة والصناعة والتصوير الجوي والمنتجات وكأنه انتقال بين تخصصات منفصلة، لكنه من منظور فني يمكن قراءته بطريقة أخرى.
إنه انتقال بين أنماط مختلفة من رؤية الضوء.
ففي النهاية، يظل الضوء هو المادة الأساسية للتصوير.
قد يكون الضوء على وجه إنسان.
أو على واجهة مبنى.
أو على سطح معدن.
أو داخل مشهد طبيعي.
أو على منتج شديد الانعكاس.
لكن السؤال يبقى واحدًا:
كيف يستطيع المصور أن يستخدم الضوء لصناعة المعنى؟
وهنا تكمن قيمة التنوع؛ لأنه يجعل المصور أكثر حساسية للفروق الدقيقة بين الموضوعات.
أربعة عقود لا تعني نهاية الرحلة
ربما تكمن القيمة الأهم في تجربة آل شبيب في أنه، رغم امتداد تجربته التدريبية لأكثر من أربعين عامًا، لا يقدم نفسه بوصفه وصل إلى نهاية الطريق.
بل إن حديثه عن المستقبل يحمل تأكيدًا على أن الرحلة لم تنتهِ بعد.
وهذا تحديدًا ما يجعل التجربة الفنية قابلة للاستمرار.
الفنان الحقيقي لا يتوقف عند مرحلة «لقد وصلت»، وإنما يظل يرى أن هناك صورة لم تُلتقط بعد، وفكرة لم تُجرب، ومكانًا لم يُكتشف، وجيلًا جديدًا يمكن أن يتعلم منه كما يمكن أن يتعلم منه الآخرون.
محمد آل شبيب… المصور الذي اتخذ من الصورة حياة
عند قراءة المسيرة كاملة، تظهر أمامنا تجربة لا تقوم على تخصص واحد أو مرحلة واحدة أو إنجاز منفرد.
إنها تجربة تشكلت عبر الزمن من مجموعة من الأدوار المتداخلة:
مصور مارس الصورة في مجالات متعددة.
موثق اهتم بالمنطقة والمكان والذاكرة.
مصور محترف عمل في مجالات إعلامية ومؤسسية.
مشارك في المعارض المحلية والعالمية.
محكّم في المسابقات الفوتوغرافية.
مشارك في المحافل والمؤتمرات الفوتوغرافية.
مؤلف ومساهم في مشاريع كتب توثق المكان والإنسان.
مدرب نقل المعرفة لأكثر من أربعة عقود.
وأخيرًا، صاحب رؤية ترى أن مستقبل الصورة السعودية لا ينبغي أن يتوقف عند حدود إنتاج الصور، بل يجب أن يمتد إلى بناء جيل قادر على تمثيل المملكة بصريًا أمام العالم.
وهنا تصبح تجربة محمد صالح آل شبيب مثالًا على أن التصوير الفوتوغرافي يمكن أن يتحول من ممارسة فردية إلى مشروع معرفي وثقافي متكامل.
فالكاميرا في هذه التجربة ليست مجرد جهاز لتسجيل الضوء، وإنما أداة للبحث، والتوثيق، والتعبير، والتعليم، وحفظ الذاكرة.
والصورة ليست مجرد لحظة متوقفة داخل إطار، وإنما مساحة يلتقي فيها الضوء بالإنسان، والمكان بالزمن، والجمال بالذاكرة.
وربما لهذا السبب تحديدًا تبدو الرحلة التي بدأت بحمل الكاميرا عام 1390هـ أكبر من مجرد مسيرة مصور؛ إنها رحلة إنسان اختار أن ينظر إلى العالم من خلال الصورة، ثم أمضى عقودًا في محاولة فهمها، وتطويرها، وتعليمها، واستخدامها في توثيق المكان الذي ينتمي إليه.
وفي النهاية، قد تتغير الكاميرات، وتتطور العدسات، وتتبدل تقنيات المعالجة، وتتغير طرق عرض الصور، لكن جوهر التجربة الفوتوغرافية يبقى قائمًا على سؤال واحد:
ماذا يرى المصور عندما ينظر إلى العالم؟
وفي تجربة محمد صالح آل شبيب، يبدو أن الإجابة لم تكن يومًا مجرد «صورة».
بل كانت محاولة مستمرة لرؤية الجمال، وحفظ الذاكرة، وصناعة المعرفة، ونقل التجربة إلى الآخرين.
ولهذا فإن الطريق، كما يراه هو، لم ينتهِ بعد.
المنشور الرئيسي
ياسين المرهون