المصور خالد إبراهيم الشيخ: حين تُرْسَمُ الألوان من روحِ المحرّقِ وتتنفّسُ الكاميرا ذاكرةَ الزمان
في عتمة الغرف الضوئية القديمة، وحين كانت اللحظة تُقاسُ بنبض السائل الكيميائي على شرائط الإظهار، وُلدت الحكاية. لم تكن مجرد بداية لعلاقة بين رجل وآلة تصوير، بل كانت ميثاق عشق أزلي بين عينٍ تستشفّ الجمال وسط شحّ المصادر، وبين عالمٍ يتشوق لمن يفكّ شفرات سحره الدفين. من قلب المحرق العتيقة بمملكة البحرين، بزغ شغف خالد إبراهيم الشيخ، المصور الذي حمل على عاتقه مسيرة أربعة عقود من الترحال والبحث البصري المتواصل منذ عام 1980م، ليغدو اليوم عضواً في اتحاد المصورين العرب وعضواً في مركز مصوري الخليج، وواحداً من قامات الفن الفوتوغرافي الذين اختطّوا لأنفسهم مساراً يرفل بالفخامة والأصالة والهيبة البصرية، مخصصاً عدسته لاكتشاف العالم بتفاصيله عبر البورتريه، وحياة الناس، والطبيعة.
تنثالُ في أعمال خالد الشيخ فلسفة فنية استثنائية تتجاوز الحدود المادية للصورة المكتفية بإتقان التقنية، حيث يبحث دائماً عن صورة تحمل إحساساً تترك أثراً عاطفياً يعجز اللسان عن وصفه. تبلورت رؤيته الخاصة بين مدارس فنية متعددة؛ فقد تأثر بالمدرسة الكلاسيكية التي يمثلها المصور الأمريكي أنسل آدامز، والذي تعلم منه أن الصورة بناء متكامل للضوء والظل والتكوين يصنعه المصور بعينه ولا ينتظره مصادفة. وفي الوقت ذاته، تأثر عميقاً بتجربة المصورين الإماراتيين يوسف الحوسني وناصر حاجي، حيث وجد في فلسفتهما بعداً يتجاوز الجماليات التقنية إلى روح الصورة وجعلها حالة تأمل تقتنص ما لا تراه العين مجرداً، ليخلص خالد إلى معادلة بصرية مفادها أن آدامز علمه كيف ينظر إلى الصورة، بينما علمه الحوسني وحاجي لماذا يلتقطها، مؤمناً بأن أعظم ملهم للمصور هو ذلك الشعور الداخلي الذي يجعله يرفع كاميرته في اللحظة المناسبة ليقول: هذه اللحظة تستحق أن تبقى.
تجلت عزيمته في بداياته حين كانت المعرفة شحيحة تقتصر على كتالوجات الكاميرات وغياب الورش التعليمية، مع صعوبة تكلفة تجهيزات تحميض الأفلام التقليدية وندرة موادها، لكنه قهر هذه التحديات بالتعلم الذاتي، لتتحول رحلته إلى سجل زاخر بالإنجازات والترحال. طاف خالد بجهد فردي ورحلات استكشافية شملت تركيا، الهند، فيتنام، كمبوديا، البوسنة، مونتينيغرو، سريلانكا، ماليزيا، المغرب، السعودية، وعُمان، إلى جانب مشاركته في رحلة النيبال مع مجموعة مصوري الخليج عام 2017، ومخيم رحلة ليوا بأبوظبي (2019-2020)، ورحلة مسارات صلالة بعُمان عام 2023. ولم يتوقف عن صقل مهاراته، فحضر دورة إضاءة التصوير (Photography Lighting Course) عام 2018، ودورة أونلاين من أكاديمية كينغستون للأعمال (Kingston Business Academy).
أثمر هذا الشغف جوائز وتكريمات بارزة، منها حصد المركز الأول في المسابقة الشهرية لمركز مصوري الخليج (مارس 2016)، والفوز في مسابقة "آفان" الدولية للتصوير عام 2017 في المحور الملون المفتوح وسط منافسة 763 مصوراً ومصورة من 71 دولة بـ 8082 صورة. كما اختيرت إحدى صوره الملتقطة في النيبال ضمن أفضل صور عام 2017 حسب تصنيف فريق "عمان فوتو ستارز" لنخبة المصورين الخليجيين، وحقق المركز الثالث في مسابقة الخيول العربية لرحلة ليوا للمصورين العرب عام 2019.
ويمتلك خالد الشيخ رؤية نقدية وواقعية لمجاله؛ إذ يعترف بشفافية بتقصيره في قلة مشاركاته في مسابقات التصوير بأنواعها، ويشير إلى تحديات القطاع المتمثلة في غياب المؤسسات الحاضنة للمصورين وندرة المعارض والفعاليات الرسمية. وعلى الجانب الآخر، يرى إيجابيات ملهمة تكمن في انتشار ثقافة التصوير بين الجيل الجديد، والمساهمة الفاعلة في رفع اسم البحرين عالمياً وترسيخ أسماء مصوريها في الأندية الدولية. يواصل خالد رحلته اليوم بطموح متجدد، ساعياً لأن يرى صوره هي الأجمل من منظوره الفني الخاص، ومواصلاً المشاركة بعزم في المحافل الدولية ليصنع صوراً تخلد في ذاكرة الضوء وأفئدة المتلقين.
المنشور الرئيسي
ياسين المرهون