المقال

ياسين المرهون

القطيف . منذٌ 12 ساعات

سميرة قابل عباس.. تجربة فنية تصنع حضورها عالميً

سميرة قابل عباس هي حكاية إنسان اختار أن يرى العالم بعينٍ ثالثة، عينٍ لا تكتفي بالمشاهدة بل تلتقط ما وراء المشهد، وتحوّل اللحظة العابرة إلى أثرٍ بصري يبقى حيًا مهما تغيّر الزمن. ولدت شغوفة بالتفاصيل، عراقية الجذور، تحمل روح بلاد الرافدين أينما ذهبت، وتقيم بين الأردن والإمارات حيث وجدت في التنقّل مساحة أوسع لاكتشاف الناس، الأمكنة، والقصص التي تنتظر من يرويها. التصوير بالنسبة لها ليس مهنة ولا هواية، بل امتداد طبيعي لطريقتها في فهم الحياة، إذ ترى أن الإنسان هو محور كل شيء، وأن وجهه وحده قادر على أن يختصر ما لا تختصره الكلمات.

ارتبطت بداياتها الأولى مع الصورة داخل الصف الدراسي، حين كانت تدرّس مادة علوم الحياة وتستخدم التصوير والرسم لتبسيط المفاهيم العلمية للطلبة. كانت تلك اللحظة الأولى التي أدركت فيها أن الصورة ليست مجرد وسيلة إيضاح، بل لغة كاملة يمكنها أن تشرح، تفسّر، وتفتح أبوابًا جديدة للفهم. ومع مرور الوقت، تحوّل هذا الاستخدام البسيط إلى شغف حقيقي، شغف جعلها تتساءل عن قدرة الصورة على حمل المعاني، وعن تلك القوة الغامضة التي تجعل لقطة واحدة تختصر قصة كاملة. وفي عام 2018، أمسكت بالكاميرا للمرة الأولى كأداة فنية، ومنذ ذلك اليوم بدأت رحلتها الحقيقية في عالم التصوير، رحلة لم تتوقف عن التوسع، ولم تتوقف هي عن البحث والتجريب والتعلّم.

توجّهت سميرة نحو تصوير السفر، حياة الناس، والتصوير الحركي، لأنها وجدت في هذه الأنماط مساحة واسعة لالتقاط الإنسان في لحظاته الصادقة. تقول إن ملهمها الأول هو وجه الإنسان، بتفاصيله الدقيقة، بتجاعيده، بضحكاته، بارتباكه، وبكل ما يحمله من مشاعر حقيقية لا يمكن تزويرها. هذا الوجه هو رسالتها، وهو محور كل صورة تلتقطها، إذ تؤمن أن الصورة التي لا تحمل روحًا إنسانية تبقى ناقصة مهما كانت جميلة. لذلك، تتعامل مع الكاميرا كأداة لالتقاط الحقيقة، لا لخلقها، وتبحث دائمًا عن تلك اللحظة التي يكشف فيها الشخص أمامها جزءًا من ذاته دون أن يشعر.

ومع تطوّر تجربتها، انضمت إلى منظمات وجمعيات عربية وعالمية، مثل الجمعية العراقية للتصوير، جمعية الإمارات للتصوير، اتحاد المصورين العرب في الشارقة والأردن، منظمة الفياب الدولية، والجمعية الأمريكية للتصوير. هذا الانضمام لم يكن مجرد عضوية، بل كان خطوة نحو بناء شبكة واسعة من العلاقات والخبرات، ونافذة تطل منها على تجارب مصورين من ثقافات مختلفة، مما ساعدها على تطوير رؤيتها الفنية وتوسيع نطاق مشاركاتها. ومع الوقت، بدأت أعمالها تحصد الاعتراف والتقدير، فحققت المركز الثالث لأفضل صورة بمحور الموشن في الموقع العالمي 35awards لعام 2025، كما حصلت على ذهبية وجائزة تصويت الجمهور وتنويه شرفي في مسابقة Exposure One Award لعام 2026، وشاركت في عدة معارض عربية وعالمية جعلت اسمها حاضرًا في ساحات الفن البصري.

تقول سميرة إن التصوير جعلها شديدة الملاحظة، قادرة على رؤية التفاصيل الصغيرة التي يتجاوزها الآخرون دون انتباه. هذه القدرة على التركيز في التفاصيل لم تقتصر على الجانب الفني، بل امتدت إلى اهتمامها بالقضايا الإنسانية والاجتماعية، إذ ترى أن الصورة يمكن أن تكون صوتًا لمن لا صوت لهم، وأنها قادرة على كشف معاناة أو إبراز جمال أو توثيق لحظة تحمل قيمة إنسانية كبيرة. ومع ذلك، تعترف بأن للتصوير جانبًا سلبيًا أيضًا، فهو يجعلها أحيانًا منشغلة بالتقاط اللحظة بدلًا من عيشها، خصوصًا في التصوير الحركي الذي يتطلب تركيزًا عاليًا وسرعة في التعامل مع المشهد.

ورغم هذا التحدي، ترى أن التصوير عالم واسع يحتاج إلى تحديث مستمر للمعلومات، وأن ضيق الوقت يشكّل تحديًا كبيرًا لها في تنظيم وقتها بين التصوير، السفر، والالتزامات الأخرى. لكنها تؤمن أن الشغف الحقيقي لا يتوقف أمام الصعوبات، وأن الاستمرار في التعلم هو ما يصنع الفنان الحقيقي. السفر بالنسبة لها ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل هو شغف يكمل شغفها بالتصوير، إذ يمنحها فرصة لاكتشاف ثقافات جديدة، ومجتمعات مختلفة، ووجوه تحمل قصصًا لم تُروَ بعد. تطمح إلى تقديم قصص بصرية تعكس الهوية الإنسانية المشتركة، وتبرز اختلافاتها الجميلة، وتؤمن أن العالم مليء بالحكايات التي تنتظر من يلتقطها ويمنحها حياة جديدة عبر الصورة.

سميرة قابل عباس ليست مجرد مصورة، بل هي راوية قصص، باحثة عن الحقيقة، عاشقة للإنسان، ومؤمنة بأن الصورة قادرة على أن تغيّر نظرة الإنسان للعالم. رحلتها مستمرة، وكاميرتها ما زالت تبحث عن وجه جديد، قصة جديدة، ولحظة جديدة تستحق أن تُحفظ في ذاكرة الضوء.

0 تعليق