المصور عبدالله البطاح.. حكاية ضوء بدأت من الهاتف وعبرت نحو المنصات العالمية
.
بين سكون اللحظة وعمق الفكرة، تولد العلاقة الفريدة التي تجمع المصور الفوتوغرافي السعودي عبدالله محمد البطاح بعدسته، حيث يتحول الضوء في يديه من مجرد أداة فيزيائية إلى لغة بصرية بليغة تترجم تفاصيل الوجود. من قلب مدينة الخبر بالمنطقة الشرقية، استمد هذا الفنان وعيه البصري الأول، متأملاً التمازج الساحر بين امتداد البحر وحركة الحياة اليومية، وهو ما شكّل ذائقته الفنية قبل أن يمسك بالكاميرا الاحترافية. لقد بدأت حكايته مع الشغف عام 2012، في وقت كان فيه يقتنص المشاهد بعفوية تامة عبر عدسة هاتفه المحمول، محتفظاً بالذكريات كهاوٍ يدفعه الفضول والجمال. غير أن التحول الإستراتيجي الحقيقي في مسيرته ولد من رحم العزلة؛ إذ جاءت جائحة كورونا عام 2020 كمنعطف فرض عليه الانتقال من عفوية الهواية إلى انضباط الاحتراف، والعبور نحو وعي فني أعمق تمكن من خلاله من تطويع الكاميرا الاحترافية لتصبح امتداداً لفكره وفلسفته الخاصة.
هذا العبور لم يؤطر الفنان في زاوية واحدة، بل انطلق في فضاءات بصرية شاسعة ومتنوعة، واضعاً بصمته في ثلاثة تخصصات رئيسية يتكامل بعضها مع بعض؛ ففي تصوير المناظر الطبيعية يتحدى المدى المفتوح وتقلبات المناخ ليصنع كادراً ينطق بالسحر، وفي تصوير الشارع يغوص بين الأزقة ليقتنص حكايات عابرة وتعبيرات عفوية للناس دون تصنع، بينما ينفذ في تصوير البورتريه إلى أعماق الملامح الإنسانية ليوثق طاقة المشاعر المخبوءة خلف الوجوه. إن هذا التنوع ينبع من رؤية ناضجة يرى البطاح من خلالها أن الإلهام ليس حكراً على اسم أو شخص معين، بل إن كل صنيع جميل في هذا الكون هو مصدر إلهام بحد ذاته، متسلحاً بما يسميه "فن الانتباه للجمال"، وهي الملكة التي تجعله يبصر التفاصيل الدقيقة والخفية التي قد يمر عليها العابرون دون أثر، ليصيغها بأسلوبه ويمنحها فرادتها البصرية.
ولا يتوقف مفهوم التصوير عند عبدالله البطاح على تجميد اللحظة العابرة، بل يمتد لديه كبُعدين متلازمين؛ بُعد عملي علمي يفتح آفاق الانتشار والتوثيق في عصر أصبحت فيه الصورة لغة عالمية لا تحتاج إلى ترجمة، وبُعد روحاني تأملي يقوده إلى التدبر في دقة الخلق وتناظر الكون. في فلسفته البصرية، يرى أن الإنسان امتداد طبيعي لهذه الأرض، وفي تشبيه أدبي بليغ، يربط بين طيات وجه الإنسان وانسيابية كثبان الصحراء الذهبية، وبين مسام البشرة وتفاصيل قشرة الفراولة، ليؤكد أن الجمال الكوني يتجلى بنمط إلهي واحد يتكرر بصيغ مختلفة في كل تفاصيل الخلق، مما يجعل الصورة لديه تجربة حية تُستعاد مشاعرها وروائحها وطاقتها كلما نُظر إليها.
هذا العمق الفكري والفني أثمر عن سجل حافل بالإنجازات والتقديرات التي نقلت اسمه إلى المحافل المحلية والدولية بكفاءة عالية؛ إذ نال شرف التكريم من سمو الأمير الفريق تركي بن بندر بن عبدالعزيز آل سعود، قائد القوات الجوية الملكية السعودية، تقديراً لجهوده الإبداعية الكبيرة في توثيق العروض الجوية خلال احتفالات اليوم الوطني للمملكة، وهو التكريم الذي يراه وساماً يجسد قيمة الصورة كوثيقة وطنية حية. وعلى الصعيد الدولي، نجح في فرض حضوره الفني بحصوله على عدة ميداليات ذهبية وألقاب وشهادات تقدير من منظمات عالمية مرموقة مثل الاتحاد الدولي لفن التصوير الفوتوغرافي، والرابطة الدولية للمصوّرين الفنيين، والجمعية الأمريكية للتصوير الفوتوغرافي، مما يبرهن على أن رسالته البصرية تتجاوز الحدود الجغرافية لتخاطب الإنسانية جمعاء.
ولم يكن هذا الطريق مفروشاً بالورود، بل شقّه الفنان عبر مواجهة تحديات ملموسة، بدءاً من الظروف المناخية المتقلبة كالرياح والأمطار التي تعيق معداته وطائرات الدرون الخاصة به، مما يتطلب منه صبراً طويلاً لاقتناص الضوء المناسب، وصولاً إلى التحدي الشخصي المتمثل في كونه موظفاً في منطقة نائية، وهو ما يضعه في صراع مستمر مع الوقت لترتيب أولوياته وتحقيق التوازن الدقيق بين التزاماته المهنية وشغفه الفني المستمر في التطور. ومع ذلك، ينظر البطاح إلى الساحة الفنية بعين ملؤها التفاؤل واليقين، إذ لا يرى في دخول التقنيات الحديثة كالذكاء الاصطناعي أو انتشار كاميرات الهواتف الذكية أي تهديد للمصور الحقيقي، بل يراها أدوات إثراء تفتح آفاقاً جديدة، مستشهداً بما حدث تاريخياً مع ظهور الفوتوشوب الذي تحول من مصدر قلق إلى جزء أساسي من العمل الفني، مؤمناً بقاعدة أصيلة مفادها أن الإبداع الحقيقي لا يُزاحم، وأن القمة تتسع دائماً للجميع.
وفي ختام هذه المسيرة الملهمة التي تحتفي بها منصة تكنيكات، يتطلع عبدالله البطاح إلى مستقبل يحمل مشروعاً معرفياً مستداماً يتجاوز مجرد التقاط صور عابرة؛ إذ يسعى لتأسيس مدرسة فنية مبتكرة تحمل رؤيته الخاصة وتكسر القوالب التقليدية الجاهزة، لتمنح المصورين مساحة حرة يعاد من خلالها تعريف الجمال ويكون التفرّد فيها هو المعيار الوحيد للإبداع. كما يحمل على عاتقه أمانة نشر المعرفة وتعليم أساسيات التصوير على نطاق أوسع، منطلقاً من مبدأ أخلاقي راسخ بأن من زكاة العلم أن يُمنح لا أن يُحتكر، رغبةً منه في تدريب الأجيال الجديدة على التقاط النور قبل الصورة والمعنى قبل المشهد، ليكون ممن يتركون أثراً خالداً لا يقتصر على إطار صورهم بل يمتد علماً وفكراً يضيء العقول ويمكّن الآخرين من قراءة العالم بحكايات جديدة
المقال
ياسين المرهون
0
تعليق