المصورة سهام محمد إبراهيم… حين تتحوّل اللحظة إلى أثر بصري
سهام محمد إبراهيم مصوّرة فوتوغرافية إماراتية من الشارقة، تنتمي إلى جيلٍ حمل الكاميرا لا بوصفها أداة تقنية فحسب، بل بوصفها وسيلة لفهم العالم وإعادة صياغته بصريًا. حضورها في الساحة الفنية لم يأتِ مصادفة، بل نتيجة مسار طويل بدأ منذ طفولتها حين كانت تعيش في منزل يطل على البحر، حيث تشكّل وعيها الأول بالصورة من خلال الضوء الذي ينساب على صفحة الماء، ومن خلال لحظات اللعب التي كانت توثّقها بكاميرا صغيرة رافقتها في سنواتها الأولى. تلك البدايات البسيطة صنعت علاقة مبكرة بين الطفلة والعدسة، علاقة قائمة على الدهشة والاكتشاف والبحث عن الجمال في التفاصيل
ومع مرور السنوات، لم يكن التصوير هواية عابرة، بل تحوّل إلى جزء من تكوينها الداخلي. وعندما التحقت بالجامعة، اختارت دراسة الإعلام ليكون أقرب طريق إلى تطوير شغفها، وهناك بدأت أولى خطواتها الجادة في فهم الصورة بوصفها لغة لها قواعدها ومفرداتها. في السكن الجامعي، كانت الكاميرا رفيقتها اليومية، توثّق بها حياة زميلاتها، وتلتقط لحظات عفوية تحمل صدقًا لا تصنعه الاستعدادات المسبقة. تلك المرحلة أسهمت في صقل إحساسها بالضوء والظل، وبالعلاقة بين الإنسان والمكان، وباللحظة التي تستحق أن تُحفظ
وبعد تخرجها، انخرطت سهام في الأندية والجمعيات الفوتوغرافية، فوجدت في هذا العالم مساحة واسعة للتعلّم والتجربة. حضرت ورشًا متخصصة، وشاركت في دورات مكثفة، وبدأت أعمالها تظهر في معارض داخل الإمارات وخارجها. ومع كل مشاركة، كانت رؤيتها الفنية تتسع، وتصبح أكثر نضجًا وعمقًا. لم تكن تبحث عن الصورة الجميلة فحسب، بل عن الصورة التي تحمل معنى، وتروي قصة، وتترك أثرًا في المتلقي
وتنوّعت مجالاتها الفوتوغرافية بين السيتي سكيب واللاندسكيب والبورتريه وحياة الناس والشارع، إضافة إلى اهتمامها بالحياة الفطرية. هذا التنوع لم يكن تشتتًا، بل انعكاسًا لفضول بصري واسع، ورغبة في اكتشاف العالم من زوايا متعددة. في تصوير المدن، كانت تبحث عن إيقاع المكان، وعن العلاقة بين العمارة والضوء. وفي تصوير الطبيعة، كانت تلاحق اللحظة التي يتداخل فيها السكون مع الحركة، والاتساع مع التفاصيل الدقيقة. أما في البورتريه، فكانت تقترب من الوجوه بوصفها نصوصًا صامتة، تحمل قصصًا لا تُقال بالكلمات. وفي حياة الشارع، كانت تلتقط العابر والعفوي، وتحوّل اللحظة اليومية إلى مشهد بصري له قيمة إنسانية
وتستمد سهام إلهامها من الطبيعة والوجوه والتجارب التي مرّت بها، إضافة إلى تأثرها بأعمال مصورين عالميين تركوا بصمتهم في تاريخ الصورة. هذا المزيج صنع رؤيتها الخاصة، رؤية تقوم على الصدق قبل الزخرفة، وعلى الإحساس قبل التقنية، وعلى البحث عن الجوهر لا عن الشكل وحده. ولذلك تبدو أعمالها قريبة من المتلقي، لأنها تحمل شيئًا من روحها، ومن علاقتها العميقة بالعالم
ومع مشاركاتها المتعددة، بدأت أعمالها تحصد الاعتراف والتقدير، فحصلت على العديد من الجوائز والميداليات الذهبية والفضية والبرونزية والشرفية في مسابقات دولية مرموقة. ومن أبرز إنجازاتها فوزها بالمركز الثالث في جائزة سمو الشيخ منصور بن زايد لتصوير الخيل العربي في محور التبوريدة، وهو إنجاز يعكس قدرتها على التقاط اللحظة الحركية المعقدة، وعلى تحويل مشهد تراثي إلى صورة تحمل قوة وجمالًا
ولم يقتصر دورها على التصوير فحسب، بل عملت مدربة تصوير لسنوات في المدارس، وأسهمت في تدريب جيل جديد من المهتمين بالفوتوغرافيا، مقدّمة خبرتها ورؤيتها لمن يرغب في دخول هذا العالم. هذا الجانب التعليمي يعكس إيمانها بأن المعرفة لا تكتمل إلا بمشاركتها، وأن الصورة ليست ملكًا لمن يلتقطها فقط، بل لمن يتعلّم منها أيضًا
ورغم نجاحاتها، تدرك سهام أن الطريق نحو الصورة المميزة ليس سهلًا، فهو يحتاج إلى وقت وجهد وصبر، وإلى استعداد لمواجهة الظروف غير المتوقعة. في اللاندسكيب، قد يكون الوصول إلى الموقع تحديًا بحد ذاته، وفي الشارع قد يكون التعامل مع الناس اختبارًا للثقة والاحترام. ومع ذلك، ترى في كل تحدٍّ فرصة لاكتشاف زاوية جديدة، ولتعميق علاقتها بالمكان واللحظة
إن سهام تؤمن بأن التصوير ليس مجرد ممارسة فنية، بل هو مساحة للتعبير، ولتسجيل الجمال، ولحفظ القصص التي قد تضيع لولا الصورة. طموحها أن تطوّر أسلوبها الخاص، وأن تواصل المشاركة في معارض ومسابقات أوسع، وأن تقدّم أعمالًا تحمل رؤيتها الصادقة للعالم، رؤية تقوم على الإحساس والعمق والبحث الدائم عن الحقيقة البصرية
المقال
ياسين المرهون
0
تعليق